بن عيسى باطاهر

18

المقابلة في القرآن الكريم

لوجود العلاقة الكبيرة بين المقابلة أو التضاد والقيم المعنوية والفكرية للنّص ، ولذلك تسعى المقابلة إلى أغراض أخرى كثيرة أبعد من الغرض الذي وضع لها وهو تحسين المعنى ، فالقدماء بصفة عامة لم يربطوا بين التضاد في الدلالة والحركة التي يموج بها التركيب أو النّص نتيجة لاحتكاك هذه المتضادات « 1 » . والمقابلة محسّن بديعي في مذهب أغلب القدماء ، وتدخل في المحسنات المعنوية للكلام ، وتناولها دارسو الإعجاز في بدائع القرآن الكريم ، غير أن المتأمّل في دلالاتها واستخداماتها الكثيرة يرى أنّ لها أغراضا أبعد من ذلك ، فهي فن بلاغي ، وطريقة في أداء المعنى لها آثارها وقيمها البعيدة ، كما أنها تساهم في إبراز المعنى بما فيها من ثنائية وتضاد . هذا من حيث الدلالة أمّا من حيث الاستخدام فقد لوحظ أن الأدب العربي بشعره ونثره قد تميّز بها ، وبخاصة الشعر الجاهلي الذي أجريت حوله دراسة إحصائية قام بها الدكتور عبد اللّه الطيّب وتبيّن أن وجود الطباق والمقابلة كثير في هذا الشعر « 2 » ، أما قول أولئك الذين يزعمون القلّة والانحصار فمردود ، أمّا وجود المقابلة في القرآن الكريم فيكاد يشكل ظاهرة واسعة كظاهرة التصوير ، وقد لا نحتاج أبدا إلى الإحصاء كي نثبت ذلك ، بل إن مجرد قراءة عادية في النصوص القرآنية تجعلنا نقف أمام هذا الأسلوب الواضح والفريد ، وهذا ما سيتبيّن في الفصول القادمة . 2 - المقابلة عند الحكماء وعلماء الكلام : درس الحكماء والفلاسفة ، وعلماء الكلام والجدل المقابلة وتناولوها بالبحث لارتباطها الوثيق بالوجود الإنساني ، فعلاقة الخالق مع الأضداد التي خلقها ، وعلاقة هذه الأضداد مع بعضها ومع غيرها هي قضايا كثيرا ما وقف عندها العقل الإنساني محاولا النظر والتفسير .

--> ( 1 ) سعد أبو الرضا - في البنية والدلالة - ط نشأة المعارف بالإسكندرية - ص 37 . ( 2 ) عبد اللّه الطيب - المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها - ج 2 - 683 .